فخر الدين الرازي
34
تفسير الرازي
المسألة الثالثة : اختلفوا في تلك القرية فقال وهب وقتادة وعكرمة والربيع : إيلياء وهي بيت المقدس ، وقال ابن زيد : هي القرية التي خرج منها الألوف حذر الموت . أما قوله تعالى : * ( وهي خاوية على عروشها ) * قال الأصمعي : خوى البيت فهو يخوي خواء ممدود إذا ما خلا من أهله ، والخوا : خلو البطن من الطعام ، وفي الحديث : " كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا سجد خوى " أي خلى ما بين عضديه وجنبيه ، وبطنه وفخذيه ، وخوى الفرس ما بين قوائمه ، ثم يقال للبيت إذا انهدم : خوى لأنه بتهدمه يخلو من أهله ، وكذلك : خوت النجوم وأخوت إذا سقطت ولم تمطر لأنها خلت عن المطر ، والعرش سقف البيت ، والعروش الأبنية ، والسقوف من الخشب يقال : عرش الرجل يعرش ويعرش إذا بني وسقف بخشب ، فقوله : * ( وهي خاوية على عروشها ) * أي منهدمة ساقطة خراب ، قاله ابن عباس رضي الله عنهما ، وفيه وجوه أحدها : أن حيطانها كانت قائمة وقد تهدمت سقوفها ، ثم انقعرت الحيطان من قواعدها فتساقطت على السقوف المنهدمة ، ومعنى الخاوية المنقلعة وهي المنقلعة من أصولها يدل عليه قوله تعالى : * ( أعجاز نخل خاوية ) * ( الحاقة : 7 ) وموضع آخر * ( أعجاز نخل منعقر ) * ( القمر : 20 ) وهذه الصفة في خراب المنازل من أحسن ما يوصف به والثاني : قوله تعالى : * ( خاوية على عروشها ) * أي خاوية عن عروشها ، جعل * ( على ) * بمعنى * ( عن ) * كقوله * ( إذا اكتالوا على الناس ) * ( المطففين : 2 ) أي عنهم والثالث : أن المراد أن القرية خاوية مع كون أشجارها معروشة فكان التعجب من ذلك أكثر ، لأن الغالب من القرية الخالية الخاوية أن يبطل ما فيها من عروش الفاكهة ، فلما خربت القرية مع بقاء عروشها كان التعجب أكثر . أما قوله تعالى : * ( قال أنى يحيي هذه الله بعد موتها ) * فقد ذكرنا أن من قال : المار كان كافراً حمله على الشك في قدرة الله تعالى ، ومن قال كان نبياً حمله على الاستبعاد بحسب مجاري العرف والعادة أو كان المقصود منه طلب زيادة الدلائل لأجل التأكيد ، كما قال إبراهيم عليه السلام : ( أرني كيف تحيي الموتى ) وقوله * ( أنى ) * أي من أين كقوله * ( أنى لك هذا ) * والمراد بإحياء هذه القرية عمارتها ، أي متى يفعل الله تعالى ذلك ، على معنى أنه لا يفعله فأحب الله أن يريه في نفسه ، وفي إحياء القرية آية * ( فأماته الله مائة عام ) * وقد ذكرنا القصة . فإن قيل : ما الفائدة في إماتة الله له مائة عام ، مع أن الاستدلال بالإحياء يوم أو بعد بعض يوم حاصل . قلنا : لأن الإحياء بعد تراخي المدة أبعد في العقول من الإحياء بعد قرب المدة ، وأيضاً فلأن بعد تراخي المدة ما يشاهد منه ، ويشاهد هو من غيره أعجب .